أبي منصور الماتريدي
362
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وبدلوه ؛ لتسلم لهم تلك الأموال ، فذلك أكل بباطل ؛ لأنهم خافوا ذهاب تلك المنافع والأموال إذا أسلموا ، فيجوز أن يكون إنما سماهم أربابا في الآية الأولى ؛ لما أنهم جعلوا أموالهم أموالا لأنفسهم ، وأنفسهم عبيدا لهم ، فهم كالأرباب لهم . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ . يحتمل أن يكون هذا صلة ما قال : لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، أي : أخذوا أموالهم لصد الناس عن سبيل الله ، وكنزوها ، ولم ينفقوها في سبيل الله ، إنما أنفقوها لصد الناس عن سبيله . ومن الناس من حمل « 1 » الآية في منع الزكاة . روي في الأخبار عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وعن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أن كل مال أديت « 2 » الزكاة عنه فهو ليس بكنز ، وإن كان تحت سبع أرضين ، وكل مال لم تؤدّ الزكاة [ عنه ] « 3 » فهو كنز ، وإن كان على وجه الأرض « 4 » . ومن أصحابنا من استدل بلزوم ضمّ الفضة والذهب بعضه إلى بعض في الزكاة بهذه الآية « 5 » ؛ لأنه ذكر الذهب والفضة جميعا ، وألحق الوعيد بترك الإنفاق من الفضة بقوله :
--> ( 1 ) في أ : عمل . ( 2 ) في ب : أدى . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) ذكره بمعناه السيوطي في الدر ( 3 / 418 ) وعزاه لابن عدي والخطيب عن جابر مرفوعا . وأخرجه ابن أبي شيبة ( 2 / 411 ) ( 10518 ) عن جابر موقوفا ، وعن سعيد بن المسيب ( 10517 ) ، وابن عمر ( 10519 ) ، وابن عباس ( 10520 ) ، وعطاء ومجاهد ( 10521 ) . ( 5 ) ذهب الجمهور ( الحنفية والمالكية وهو رواية عن أحمد وقول الثوري والأوزاعي ) إلى أن الذهب والفضة يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب ، فلو كان عنده خمسة عشر مثقالا من الذهب ، ومائة وخمسون درهما ، فعليه الزكاة فيهما ، وكذا إن كان عنده من أحدهما نصاب ، ومن الآخر مال يبلغ النصاب يزكيان جميعا ، واستدلوا بأن نفعهما متحد ، من حيث إنهما ثمنان ، فمنهما القيم وأروش الجنايات ، ويتخذان للتحلي . وذهب الشافعية - وهو رواية أخرى عن أحمد وقول أبي عبيد وابن أبي ليلى وأبي ثور - إلى أنه لا تجب في أحد الجنسين الزكاة حتى يكمل وحده نصابا ؛ لعموم حديث : « ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة » . والقائلون بالضم اختلفوا ؛ فذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية إلى أن الضم يكون بالأجزاء ، فلو كان عنده خمسة عشر مثقالا ذهبا ، وخمسون درهما لوجبت الزكاة ؛ لأن الأول 4 / 3 نصاب ، والثاني 4 / 1 نصاب ، فيكمل منهما نصاب ، وكذا لو كان عنده ثلث نصاب من أحدهما وثلثان من الآخر ونحو ذلك . وذهب أبو حنيفة إلى أنه يضم أحدهما إلى الآخر بالتقويم في أحدهما بالآخر بما هو أحظ للفقراء ، أي يضم الأكثر إلى الأقل ، فلو كان عنده نصف نصاب فضة ، وربع نصاب ذهب تساوي قيمته نصف نصاب فضة فعليه الزكاة . -